صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

168

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الآبناء . إن هذا يستدعي - أولا - أن يتمثل الآباء والأمهات القيم الإسلامية ، ويستعينوا بالحكمة والأناة والصبر ، فالتربية لا تأتي بين يوم وليلة ، وإنما بمجاهدة الأيام والليالي ، وليس لسياسة الزجر والعنف ، لأنها تدفع بالطفل إلى التطلع للممنوع ، وإشباع حاجاته من هذا الممنوع ، بالتمرد على توجيه الأبوين ، أو بالظهور بمظهر الخضوع الكاذب . . . وربما انتهى الأمر إلى ازدواج في شخصية الناشئ ، مما يؤدي في النهاية إلى أن يصبح منافقا ، وهو المرض الفردي الاجتماعي الذي نشكو منه مر الشكوى « 1 » . ولعلنا نعود هنا إلى ما سبق أن ذكرناه عن القدوة وما تتطلبه من الشفقة والرحمة . وقد أدرك ابن خلدون - وغيره - خطورة هذا ، فقال : « ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها ، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث ، وهو التظاهر بغير ما في ضميره ، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ، وعلمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له هذه عادة وخلقا ، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن ، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله ، وصار عيالا على غيره في ذلك ، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل السافلين » « 2 » . إن الأسرة المسلمة يجب عليها أن تتخلص من قيم الضعف وما يسودها من ضعف وقيم لا تنتمي لقيم الإسلام الصحيحة ، وإذا كان لنا أن نبني مجتمعا مسلما على قيم الإسلام الصحيحة ، فلا بد من تغيير قيم الأسرة وما يسودها من قيم ضعف وهوان تجاه القيم الإسلامية الصحيحة ، في بنائها وفي تربية أبنائها ، وهذا هو أساس التغيير الصحيح نحو القيم الإسلامية ، إن عين الطفل وسمعه يجب ألا يقعا إلا على سلوك صحيح مترجم عن واقع صحيح وقيم سليمة ، ولذا فإن المطلوب من الوالدين أن يكونا فعلا قدوة صالحة ، ليتلقى الطفل منهما مباشرة وبدون مباشرة ما يؤكد ذاتيته واستقلاله في إطار التصور الإسلامي الصحيح . وينبغي أن تكون سياسة الأسرة قائمة على التفتح واختيار الجيد ، والبعد عن سياسة الانغلاق والحرمان وإيصاد الأبواب ، والاعتماد على تكوين الحس الإسلامي في نفوس الأطفال ، وبالتدرج وإنضاج القدرة على الاختيار الجيد ، والبعد عن السفاسف والرذائل .

--> ( 1 ) أحمد محمد العسال ، مرجع سابق ، ص 206 ، 207 . ( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، الجزء الثاني ، المدينة المنورة ، مكتبة ودار المدينة المنورة للنشر والتوزيع ، 1984 م ، ص 704 .